السيد علي الطباطبائي
254
رياض المسائل ( ط . ق )
مع إمكان الذب عنهما بنحو من التوجيه القريب كما ذكره الخال العلامة أدام اللَّه تعالى أيامه إلا أنهما قادحان في مقام المعارضة لنحو الأدلة المتقدمة الكثيرة المعتضدة بالشهرة العظيمة المتأخرة المتحققة بل مطلقا كما في التذكرة سيما الصريح منها وهو الإجماع المنقول وبالجملة فهذا القول في غاية القوة وإن كان الأولى مراعاة الاحتياط في نحو المسألة خروجا عن شبهة قول هؤلاء الجماعة وإن كان الظاهر مما ذكرنا ضعفه وأولى منه ضعفا ما يحكى عن الإسكافي من جعل الخمسة كالعشرة قاطعة لكثرة السفر مطلقا لعدم دليل عليه مع ذلك أصلا وما في الصحيحين من أن المكاري والجمال إذا جد بهما السير فليقصر لإجمالهما وعدم وضوح المراد من جد السير فيهما ولذا اختلف الأصحاب في تنزيلهما وحملهما على من يجعل المنزلين منزلا مع تخصيصه التقصير بالطريق كما عليه الكليني والشيخ في التهذيب استنادا إلى رواية مع ضعف سندها لا دلالة لها على ما اعتبراه أو على ما إذا أنشئا سفرا غير صنعتهما كما عليه الشهيد في الذكرى قال ويكون المراد بجد السير أن يكون سيرهما متصلا كالحج والأسفار التي لا يصدق صنعته عليها أو على أنهما إذا أقاما عشرة أيام قصرا كما عليه الفاضل في المختلف أو على ما إذا قصد المسافة قبل تحقق الكثرة كما عليه في الروض شيخنا أو على ما يصدق عليه جد السير عرفا وهو السير البعيد العنيف التي يتعقب مشقته شديدة كما عليه جماعة من متأخري متأخرينا ولعله الأقوى إلا أني لم أجد بهما على هذا التأويل قائلا صريحا وإن احتمله بل قواه هؤلاء وبعضهم قوى ما مر عن الذكرى أيضا ولا وجه له بل هو كسائر التأويلات في البعد عدا الأخير إلا أن يريد به تقوية أصل الحكم بوجوب القصر إذا أنشئا سفرا غير صنعتهما كما صرح به جماعة وهو أيضا مشكل لعدم دليل صالح عليه إلا بعض التلويحات والإشعارات المستخرجة من جملة من المعتبرة المعللة لوجوب التمام على كثير السفر بأنه عمله أو أن بيته معه وبعض الصحاح الذي لم أفهم دلالته وفي الاعتماد عليها بمجردها إشكال يصعب معه الخروج عن مقتضى الأدلة العامة والاحتياط مما لا ينبغي تركه في المسألة [ الخامس أن يتوارى جدران البلد ] الخامس أن يتوارى عنه جدران البلد الذي يخرج منه أو يخفى عنه أذانه بلا خلاف فيه في الجملة إلا من والد الصدوق فلم يعتبر هذا الشرط بالكلية بل اكتفى بنفس الخروج من البلد للمرسل إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه ونحوه بعينه الرضوي وفي معناهما الموثق أفطر إذا خرج من منزله وهو نادر بل على خلافه الإجماع في الخلاف ومع ذلك فمستنده مع قصور سنده جملة بل ضعف بعضها غير صريحة الدلالة على المخالفة ككلامه لاحتماله التقييد بهذا الشرط ألا ترى إلى الرضوي مع أنه أطلق القصر فيما إذا خرج كما مر قيده به في موضع آخر فقال وإن كان أكثر من بريد فالتقصير واجب إذا غاب عنك أذان مصرك وعلى هذا فلا خلاف في المسألة من هذه الجهة وإن حصل من جهة أخرى وهي التعبير عن هذا الشرط بخفاء أحد الأمرين مخيرا بينهما كما هو المشهور بين القدماء أو خفائهما معا كما هو المشهور بين المتأخرين كما قيل أو الأول خاصة كما عن المقنع أو الثاني كذلك إما مطلقا كما عن الديلمي أو المتوسط منه خاصة كما عن الحلي ومنشأه اختلاف النصوص الواردة في المسألة فبعض بخفاء الأول خاصة كالصحيح وبعض بالثاني كذلك وهو مستفيض منها زيادة على الرضوي المتقدم الصحيحان المروي أحدهما في المحاسن وفيه إذا سمع الأذان أتم المسافر والموثق أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم فبناء القولين الأخيرين على ترجيح أحد المتعارضين وطرح الآخر في البين ولا وجه له بعد اشتراكهما في استجماع شرائط الحجية مع إمكان الجمع بينهما بالتخيير كما هو خيرة الأولين أو تخصيص كل واحد منهما بالآخر كما هو المشهور بين المتأخرين وهو الأقوى أما لرجحانه على نحو الجمع الأول حيثما تعارضا والأوفقية لمقتضى الأصل واستصحاب بقاء وجوب التمام على ثبوت الترخيص وليس بثابت بأحدهما بعد تساوي الجمعين وتكافئهما وأما ترجيح الجمع الأول على الثاني فهو ضعيف جدا هذا مع وجود الأمارتين وظهور التفاوت بينهما وإلا فالظاهر الاكتفاء بأحدهما ولعل هذه الصورة هو الغالب المتبادر مما دل على إحداهما هذا والموجود فيما دل على الأولى تواري المسافر عن البيوت لا تواريها عنه كما فهمه منه جماعة من الفضلاء قالوا فيتقارب الأمارتان إحداهما من الأخرى لكنه خلاف ما عقله منه سائر أصحابنا وكيف كان ف بخفائهما معا يقصر في صلاته وصومه قطعا وكذا بخفاء أحدهما حيث لا يكون الآخر ويحتاط فيما لو كان ولم يخف بتأخير القصر أو الجمع بينه وبين التمام إلى أن يخفى أيضا والمعتبر من كل من الجدران والأذان أو الحاستين الوسط منها ولو تقديرا كالبلد المنخفض والمرتفع ومختلف الأرض وعادم الجدار والأذان والسمع والبصر لكونه المتبادر من الإطلاق ولعله الوجه فيما قالوه من أن المعتبر آخر البلد المتوسط فيما دون ومحلته في المتسع قالوا ولا عبرة بأعلام البلد كالمنارة والقباب المرتفعة ولا بالبساتين والمزارع فيجوز القصر قبل مفارقتها مع خفاء الجدار والأذان ولعله لإناطة القصر في النص والفتوى بتواري البيوت والمذكورات غيرها وذكر شيخنا الشهيد الثاني وغيره أن المعتبر خفاء صورة الجدران والأذان لا الشبح والكلام ولا يخلو عن إشكال فإن المتبادر من النص والفتوى خفاؤهما أصلا لا صورتهما خاصة مع حصوله وانتفائه بظهورهما ثمة والظاهر أن المراد بالأذان والجدران المعتبر خفاؤهما ما كان في آخر البلد الذي يخرج منه المسافر كما يفهم من الذكرى وغيرها لا مطلقا كما توهمه العبارة ونحوها في الأذان وذلك فإن الأذان الواقع في الوسط قد يخفى عند الخروج من البلد ولو كان وسطا فلو حد الترخص به لزم حصوله عنده حينئذ وهو فاسد قطعا واعلم أن هذا الشرط إنما يعتبر فيمن خرج عن نحو بلده مسافرا دون نحو الهائم والعاصي بسفره فإنهما يقصران في أثناء سفرهما متى زال مانعهما للعمومات مع اختصاص ما دل على هذا الشرط بمن ذكرناه مضافا إلى خصوص جملة من المعتبرة الواردة فيهما بأنهما يقصران متى زال مانعهما وكما يعتبر هذا الشرط في بدو السفر كذا يعتبر في الآخر فيقتصر في العود من السفر إلى أن ينتهي إلى ظهور أحد الأمرين فيتم ولو لم يدخل البلد فضلا من المنزل على الأشهر الأظهر بل عليه عامة من تأخر إلا من ندر بل في الذكرى كاد أن يكون إجماعا للصحيح إذا كنت في الموضع الذي تسمع الأذان فأتم وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع الأذان فقصر وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك مضافا إلى إطلاق ما دل على وجوب التمام على من كان في الوطن واشتراط القصر بالسفر ولا يصدق عرفا على من بلغ هذا الحد وهذا هو السر في اشتراط أصل هذا الشرط وقد استدل عليه به جمع خلافا لوالد الصدوق فلا يعتبر كما مر وضعفه قد ظهر وعن المرتضى والإسكافي الموافقة له هنا للمعتبرة المستفيضة ففي الصحيح لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته وفي آخر أن أهل مكة إذا زار والبيت ودخلوا منازلهم أتموا وإن لم يدخلوا منازلهم قصروا ونحوه آخر وفي الموثق عن الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أيتم الصلاة أم يكون مقصرا قال لا بل يكون مقصرا حتى يدخل بيته وفي آخر عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة له فيها دار